مجمع البحوث الاسلامية
835
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الرّسول صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم بابتغاء مرضاته أوّلا ، وجري العادة الإلهيّة على أن يؤتى كلّ أهل ملّة وجهة ثانيا ، ودفع حجج المخالفين ثالثا . فإنّ التّولية إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود ، بأنّ المنعوت في التّوراة قبلته الكعبة لا الصّخرة ، وهذا النّبيّ يصلّي إلى الصّخرة فلا يكون النّبيّ الموعود ، وبأنّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم يدّعي أنّه صاحب شريعة ويتّبع قبلتنا وبينهما تدافع ، لأنّ عادته سبحانه وتعالى جارية بتخصيص كلّ صاحب شريعة بقبلة ، وتدفع احتجاج المشركين بأنّه عليه الصّلاة والسّلام يدّعي ملّة إبراهيم ويخالف قبلته . وترك سبحانه التّعميم بعد التّخصيص في المرتبة الثّالثة اكتفاء بالعموم المستفاد من العلّة ، وزاد مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ * دفعا لتوهّم مخالفة حال السّفر لحال الحضر ، بأن يكون حال السّفر باقيا على ما كان ، كما في الصّلاة حيث زيد في الحضر ركعتان ، أو يكون مخيّرا بين التّوجّهين ، كما في الصّوم . وقد يقال : فائدة هذا التّكرار الاعتناء بشأن الحكم ، لأنّه من مظانّ الطّعن وكثرة المخالفين فيه ، لعدم الفرق بين النّسخ والبداء . وقيل : لا تكرار فإنّ الأحوال ثلاثة : كونه في المسجد ، وكونه في البلد خارج المسجد ، وكونه خارج البلد ؛ فالأوّل محمول على الأوّل ، والثّاني على الثّاني ، والثّالث على الثّالث ، ولا يخفى أنّه مجرّد تشبيه لا يقوم عليه دليل . إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ إخراج من النّاس ، وهو بدل على المختار ، والمعنى عند القائلين : بأنّ الاستثناء من النّفي إثبات ، لئلّا يكون لأحد من النّاس عليكم حجّة إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا بالعناد ، فإنّ لهم عليكم حجّة ، فإنّ اليهود منهم يقولون : ما تحوّل إلى الكعبة إلّا ميلا لدين قومه وحبّا لبلده ، والمشركين منهم يقولون : بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ، ويوشك أن يرجع إلى دينهم ، وتسمية هذه الشّبهة الباطلة حجّة مع أنّها عبارة عن البرهان المثبت للمقصود ، لكونها شبيهة بها ، باعتبار أنّهم يسوقونها مساقها . واعترض بأنّ صدر الكلام لو تناول هذا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وإلّا لم يصحّ الاستثناء ، لأنّ الحجّة مختصّة بالحقيقة ، ولا محيص سوى أن يراد بالحجّة : المتمسّك ، حقّا كان أو باطلا . وأجيب بأنّه لم يستثن شبهتهم عن الحجّة بل ذواتهم عن النّاس ، إلّا أنّه لزم تسمية شبهتهم حجّة باعتبار مفهوم المخالفة ، فلا حاجة إلى تناول الصّدر إيّاها ، وأنت تعلم أنّ مراد المعترض : إنّ الاستثناء وإن كان من النّاس إلّا أنّه يثبت به ما نفي عن المستثنى منه للمستثنى ، بناء على أنّ الاستثناء من النّفي إثبات . فإن كان الصّدر مشتملا على ما أثبت للمستثنى لزم الجمع ، وإلّا لم يتحقّق الاستثناء بمقتضاه ، إذ الثّابت للمستثنى منه شيء وللمستثنى شيء آخر . ولا محيص للتّفصّي عن ذلك ، إلّا أن يراد بالحجّة : المتمسّك ، أو ما يطلق عليه الحجّة في الجملة ، فيتحقّق حينئذ الاستثناء بمقتضاه ، لأنّ الشّبهة حجّة بهذا المعنى كالبرهان ، ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز . ولك أن تحمل « الحجّة » على الاحتجاج والمنازعة ،